مجمع البحوث الاسلامية
467
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الخامس : أنّ من الواجب أن يشتمل القرآن على المتشابهات ، كما أنّ من الواجب أن يشتمل على المحكمات . السّادس : أنّ المحكمات امّ الكتاب ، إليها ترجع المتشابهات رجوع بيان . السّابع : أنّ الإحكام والتّشابه وصفان يقبلان الإضافة والاختلاف بالجهات ، بمعنى أنّ آية مّا يمكن أن تكون محكمة من جهة ، متشابهة من جهة أخرى ، فتكون محكمة بالإضافة إلى آية ، ومتشابهة بالإضافة إلى أخرى ولا مصداق للمتشابه على الإطلاق في القرآن ، ولا مانع من وجود محكم على الإطلاق . الثّامن : أنّ من الواجب أن يفسّر بعض القرآن بعضا . التّاسع : أنّ للقرآن مراتب مختلفة من المعنى مترتّبة طولا من غير أن تكون الجميع في عرض واحد ، فيلزم استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد ، أو مثل عموم المجاز ولا هي من قبيل اللّوازم المتعدّدة لملزوم واحد ، بل هي معان مطابقيّة ، يدلّ على كلّ واحد منها اللّفظ بالمطابقة بحسب مراتب الأفهام . ولتوضيح ذلك نقول : قال اللّه تبارك وتعالى : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ آل عمران : 102 ، فأنبأ أنّ للتّقوى الّذي هو الانتهاء عمّا نهى اللّه عنه ، والايتمار بما أمر اللّه به ، مرتبة هي حقّ التّقوى ، ويعلم بذلك أنّ هناك من التّقوى ما هو دون هذه المرتبة الحقّة ، فللتّقوى الّذي هو بوجه العمل الصّالح ، مراتب ودرجات بعضها فوق بعض . وقال أيضا : أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ آل عمران : 163 ، فبيّن أنّ العمل مطلقا سواء كان صالحا أو طالحا درجات ومراتب ، والدّليل على أنّ المراد بها درجات العمل قوله : وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ . ونظير الآية قوله تعالى : وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ الأحقاف : 19 ، وقوله تعالى : وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ الأنعام : 132 ، والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وفيها ما يدلّ على أنّ درجات الجنّة ودركات النّار بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها . ومن المعلوم أنّ العمل من أيّ نوع كان هو من رشحات العلم ، يترشّح من اعتقاد قلبيّ يناسبه . وقد استدلّ تعالى على كفر اليهود ، وعلى فساد ضمير المشركين ، وعلى نفاق المنافقين من المسلمين ، وعلى إيمان عدّة من الأنبياء والمؤمنين ، بأعمالهم وأفعالهم في آيات كثيرة جدّا يطول ذكرها ، فالعمل كيف كان ، يلازم ما يناسبه من العلم ويدلّ عليه . وبالعكس يستلزم كلّ نوع من العمل ما يناسبه من العلم ويحصّله ويركّزه في النّفس ، كما قال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ العنكبوت : 69 ، وقال تعالى : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ الحجر : 99 ، وقال أيضا : ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ